السيد كمال الحيدري

94

فلسفة صدر المتالهين (قراءة في مرتكزات الحكمة المتعالية)

المرحلة الثانية : دور العزلة والانقطاع إلى العبادة بعد نهاية المرحلة الأولى من حياته التي صار فيها أستاذاً كاملًا في العلوم الرسمية والكسبية ، أدرك أنّ هذه لا تشفي الغليل ، وأنّ هناك مرحلة أُخرى لابدّ من طيّها والوصول إليها ، فلهذا غادر تلك الديار وتوجّه إلى مدينة قم المقدّسة واستقرّ في إحدى قراها وهي قرية « كهك » كما قيل « 1 » ، واستمرّت هذه العزلة خمسة عشر عاماً ، اشتغل خلالها بالمجاهدات والرياضات المعنوية ، حتى استطاع أن يفتح نافذة إلى عالم القدس والملكوت ، فشاهد بعين البصيرة ما كان قد حصل عليه عن طريق الاستدلال العقلي في المرحلة الأولى . يقول صدر المتألّهين عن هذا التحوّل في حياته : « وإنّي كنت سالفاً كثير الاشتغال بالبحث والتكرار ، وشديد المراجعة إلى مطالعة كتب الحكماء النظّار حتى ظننت أنّي على شيء . فلما انفتحت بصيرتي ونظرت إلى حالي ، رأيت نفسي وإن حصّلت شيئاً من أحوال المبدأ وتنزيهه عن صفات الإمكان والحدثان ، وشيئاً من أحكام المعاد لنفوس الإنسان فارغة عن علوم الحقيقة وحقائق العيان ، مما لا يدرك إلّا بالذوق والوجدان ، وهي الواردة في الكتاب والسنّة من معرفة الله وصفاته وأسمائه وكتبه ورسله ، ومعرفة النفس وأحوالها من القبر والبعث والحساب والميزان والصراط والجنّة والنار وغير ذلك مما لا تعلم حقيقته إلّا بتعليم الله ، ولا تنكشف إلّا بنور النبوّة والولاية » « 2 » .

--> ( 1 ) سفينة البحار ومدينة الحكم والآثار ، المحدّث المتبحّر الجامع المحقّق الشيخ عباس القمّي ( طاب ثراه ) دار المرتضى ، بيروت : ج 2 ، ص 117 ، الهامش . ( 2 ) تفسير القرآن الكريم ، صدر المتألّهين ، مصدر سابق : ج 7 ، ص 10 .